والقرآن يصدق الذي بين يديه ولا يعني ذلك تصديق المحرّف بل تصديق"الأصيل". ولذلك نجد عبد الله بن سلام وغيره حينما جاءوا للإسلام اعترفوا بذلك ، ويقول عبد الله بن سلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انشرح صدري للإسلام ، ولكني أعلم أن اليهود قوم بهت - أي أنهم مكابرون - فأنا أريد أن تسألهم عني قبل أن أسلم ، فقال رسول الله لهم: ما تقولون في عبد الله بن سَلاَم؟ قالوا: حِبْرنا وابن حِبْرنا وشيخنا ورئيسنا ... إلخ .
فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن مُحمداً رسول الله . هنا بدأوا في كيل السباب لسيدنا عبدالله بن سَلاَم فقال: ألم أقل لك يا رسول الله إنهم قوم بهت؟
وقوله الحق: {مُّصَدِّقُ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي أنك إذا ما أردت أن تعرف صدق هذه القضية فهات ما لا حاجة لهم فيه إلى تكذيبه ، وستجد القرآن قد جاء موافقاً له .
مثال ذلك حين جاء القرآن بالرِّجْم . هم حاولوا أن يخففوا حكم الرَّجْم ؛ لأن امرأة زنت وأرادوا أن يجاملوها . فرفعوا أمرها للنبي وقال بعضهم لبعض: إن حَكَم بعدم الرِّجم فهذا خير لنا ولها ، ومن العجيب أنهم غير مؤمنين بمحمد بينما يريدون الحُكم منه ، فيقول لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: هاتوا الكتاب ، ويأتون بالصحف الموجودة عندهم ، فوجدوا آية الرَّجْم ؛ إذن فالقرآن مُصدق الذي بين يديه من غير المكتوم ، ولا المْحرَّف ، ولا المُوَّوَّل .
وإذا ما نظرت إلى القضايا التي يلتفتون إليها ، ولكنها تكر أمامهم خاطفة ، تجد أنت هذه القضايا وسيلة يريد الله بها أن يكشف الفساد والكذب والتجبر ، حتى لا يطمس أهل الباطل معالم الحق . ومثل هذه القضايا تحتاج إلى المُحقق اللّبق . ونجده سبحانه جاء في التوراة بمثل للأمة المحمدية ، ويكرر هذا المثل في القرآن حين يقول سبحانه: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] .