وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ: {وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ} بِتَأْوِيلِ: قَرَأْتَ وَتَعَلَّمْتَ، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَذَلِكَ كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ قِيلِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيُّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيُّ مُبِينٌ} ، فَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ يُنْبِئُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّمَا يَتَعَلَّمُ مُحَمَّدٌ مَا يَأْتِيكُمْ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَقِرَاءَةُ: {وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ} يَا مُحَمَّدُ، بِمَعْنَى: تَعَلَّمْتَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَشْبَهُ بِالْحَقِّ وَأَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ: (دَارَسْتَ) بِمَعْنَى: قَارَأْتَهُمْ وَخَاصَمْتَهُمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقِرَاءَاتِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِ الْقِرَاءَةِ فِي قِرَاءَتِهِ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا صَرَّفْنَا الْآيَاتِ وَالْعِبَرَ وَالْحُجَجَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ، كَذَلِكَ نُصَرِّفُ لَهُمُ الْآيَاتِ فِي غَيْرِهَا، كَيْلَا يَقُولُوا لِرَسُولِنَا الَّذِي أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْهِمْ: إِنَّمَا تَعَلَّمْتَ مَا تَأْتِينَا بِهِ تَتْلُوهُ عَلَيْنَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيَنْزَجِرُوا عَنْ تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ وَتَقَوُّلِهِمْ عَلَيْهِ الْإِفْكَ وَالزُّورَ، وَلِنُبَيِّنَ تَصْرِيفَنَا الْآيَاتِ الْحَقَّ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُمْ، فَيَتَّبِعُوهُ وَيَقْبَلُوهُ، وَلَيْسُوا كَمَنْ إِذَا بُيِّنَ لَهُمْ عَمُوا عَنْهُ فَلَمْ يَعْقِلُوهُ وَازْدَادُوا مِنَ الْفَهْمِ بِهِ بُعْدًا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) }