إن صاحب الدعوة لا يجوز أن يعلق قلبه وأمله وعمله بالمعرضين عن الدعوة ، المعاندين ، الذين لا تتفتح قلوبهم لدلائل الهدى وموحيات الإيمان.. إنما يجب أن يفرغ قلبه ، وأن يوجه أمله وعمله للذين سمعوا واستجابوا. فهؤلاء في حاجة إلى بناء كيانهم كله على القاعدة التي دخلوا الدين عليها.. قاعدة العقيدة.. وفي حاجة لإنشاء تصور لهم كامل عميق عن الوجود والحياة على أساس هذه العقيدة. وفي حاجة إلى بناء أخلاقهم وسلوكهم ؛ وبناء مجتمعهم الصغير على هذا الأساس نفسه. وهذا كله يحتاج إلى الجهد. ويستحق الجهد. فأما الواقفون على الشق الآخر ، فجزاؤهم الإهمال والإعراض بعد الدعوة والبلاغ.. وحين ينمو الحق في ذاته فإن الله يجري سنته ، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.. إن على الحق أن يوجد ومتى وجد الحق في صورته الصادقة الكاملة ، فإن شأن الباطل هين ، وعمره كذلك قريب!
ومع أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالإعراض عن المشركين ، فقد وجه المؤمنين إلى أن يكون هذا الإعراض في أدب ، وفي وقار ، وفي ترفع ، يليق بالمؤمنين.. لقد أمروا ألا يسبوا آلهة المشركين مخافة أن يحمل هذا أولئك المشركين على سب الله سبحانه - وهم لا يعلمون جلال قدره وعظيم مقامه - فيكون سب المؤمنين لآلهتهم المهينة الحقيرة ذريعة لسب الله الجليل العظيم:
{ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم. كذلك زينا لكل أمة عملهم. ثم إلى ربهم مرجعهم ، فينبئهم بما كانوا يعملون} .