وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له بالمنكرات والمعاصي: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) } [الحج: 46] .
فسبحان الله ما أضعف بصائر العباد؟.
كيف يُخاف ويُرجى من لا حول له ولا قوة، ولا يملك مثقال ذرة؟.
بل خوف المخلوق ورجاؤه أحد أسباب الحرمان، ونزول المكروه بمن يرجوه ويخافه.
فإنه على قدر خوفك من غير الله، يسلطه الله عليك، وعلى قدر رجائك لغير الله يكون الحرمان.
وأساس كل خير أن يعلم العبد أن الله يراه ويسمعه، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن مقاليد الأمور كلها بيد الله وحده.
وحينئذ يتيقن العبد أن الحسنات من نعم الله فيشكره عليها.
ويتضرع إليه أن لا يقطعها عنه.
وأن السيئات من خذلانه وعقوبته، فيبتهل إليه أن يحول بينه وبينها، وأن لا يكله في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسه.
والعارف: هو من عرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم صدق الله في معاملته، ثم أخلص له في نيته ومقصوده وعمله.
ثم انسلخ من أخلاقه الرديئة، وآفاته المشينة.
ثم تطهر من أوساخه وأدرانه ومخالفاته، ثم صبر على أحكام الله في نعمه
وبلياته.
ثم دعا إليه على بصيرة بدينه وآياته، ثم جرد الدعوة إليه وحده بما جاء به رسوله.
ومن علامات المعرفة بالله حصول الهيبة منه، وحصول السكينة، فمن ازدادت معرفته بربه، ازدادت هيبته وسكينته، ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف.
ومن عرف الله تعالى بكماله وجلاله وجماله ضاقت عليه الدنيا بسعتها شوقاً إلى ربه، فالدنيا سجن المؤمن، واتسع عليه كل ضيق؛ لأطمئنانه بربه وثقته به.
ومن عرف الله عزَّ وجلَّ قرت عينه بالله، وقرت عينه بالموت، وقرت به كل عين، وصفا له العيش، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف كل مخلوق.
ومن عرف الله تبارك وتعالى لم يبق له رغبة فيما سواه، ومن عرف الله أحبه على قدر معرفته به، وتلذذ بذكره وعبادته، وخافه ورجاه، وتوكل عليه وأناب إليه، ولهج بذكره، واشتاق إلى لقائه، واستحيا منه، وأجله وعظمه على قدر معرفته به.