(( قال أبو حيان الأندلسي: (( واختلفوا في مدلول الباء هنا، فقيل: إنَّها للإلصاق 000 وقيل الباء للتبعيض 000 وقيل الباء زائدة 000 وحكى سيبويه 000 مسحتُ رأسه وبرأسه في معنى واحد ) ) [1] ذهب النحاة والمفسرون إلى القول بأنَّ الجر والنصب معنييهما واحد، وقد كثر ما أكدوا هذا المذهب، وصرحوا به والصحيح، كما هو ظاهر من سياق الآية، أنَّ الباء للإلصاق، حتى إنَّه يترتب عليه حكم، وهو أن يمس هذا المسح الرأس، لا أن يكون مجرد لمس لشعره، فالباء حددتْ فقط غرض إلصاق المسح بالرأس، ولا علاقة لها بمساحة الممسوح منه، لذا جاز أن يكون المسح لجميع الرأس، أو لجزء منه، إلاّ أنَّه يتعيَّن أن يكون المسح لجميع الرأس عند حذف الباء، وقولنا في الكلام: وامسحوا رؤوسكم؛ لأنَّ (رؤوسكم) ، تكون عندئذ منصوبة على المفعولية، ويكون المعنى بها أن يستوعب المسح (رؤوسكم) ، مما يقتضي شمول الرأس جميعه بفعل المسح، فالفرق بين الجر والنصب جلي وكبير، ما كان ينبغي للنحاة والمفسرين أن يساووا بينهما )) [2]
وما قلتُه هناك أقوله هنا، فاستعمال الباء في قوله تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) يفيد مجرد إلصاق الكفر بالرب تبارك وتعالى، وعند حذف الباء ينتصب الرب تبارك وتعالى على معنى المفعولية، ويفيد عندئذٍ أنَّ كفر الكافرين اشتمل عليه واستوعبه، فيكون النصب أشد وأوسع كفرًا من الجر؛ لذلك استحق أصحابه أن يكون عقابهم عند الله أشد وأوسع، وهذا ما
(1) البحر المحيط 3/ 609، وينظر: الدر المصون 3/ 693.
(2) النصب على نزع الخافض والتضمين من بدع النحاة والمفسرين ص 60.