(( وكفر النفاق:، وهو أن يؤمن بلسانه، والقلب كافر ) ) [1] فاستنادًا إلى هذه الدلالة صح أن يُسمَّى المنافق كافرًا؛ لأنَّه يغطي كفره الباطني بإيمانه الظاهري، وما صح أن بُسمَّى الكافر منافقًا؛ لأنَّ الكافر يظهر كفره، ولا يغطيه بإخفائه، كما يفعل المنافق.
ولما كان المقصود بالكفر الكفر بأمور معنوية؛ كان من المعتاد أن يُعبَّر عن تغطيتها وسترها بإنكارها، أو جحودها، أو البراءة منها، أو ما كان دائرًا حول هذا المعنى كعدم الاعتراف والإقرار بها، أو أي لفظ آخر يناسب السياق، من ذلك مثلًا أنَّه يمكن أن نسمي المعلِّم كافرًا؛ لأنَّه يغطي جهل المتعلِّم بالعلم، كما سُمِّي الفلاح كافرًا؛ لأنَّه يغطي الحب بالتراب.
والأصل في الفعل (كفر) أنَّه يتعدى إلى مفعول واحد كقول الشاعر الذي تقدم ذكره:
يعلو طريقة متنها متواترًا ... في ليلة كفرَ النجومَ غمامُها
والفاعل هنا الغمام، أي: كفر الغمامُ النجومَ، وجاز إسناد الفعل إلى الله، وأن نقول: كفرَ اللهُ النجومَ بالغمام، وقد قلَّ وروده متعديًا إلى مفعوله بنفسه في القرآن الكريم، ومع ذلك جاء بعدة صيغ، فقد قام مقام الفاعل في قوله تعالى: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ) {القمر: 14} فـ (كُفِرَ) فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على نوح عليه السلام [2] والمعنى ثوابًا لنوح عليه السلام، الذي كفروه، وقد
(1) العين ص 848.
(2) ينظر: الدر المصون 10/ 135.