والتي سماها الراغب وفي هذا الشاهد نفسه بالتوفيق [1] أي: يجعل قلبه لا يميل إلاَّ إلى ما فيه رضا الله وخير الدنيا والآخرة، ويجعل الله سبحانه هذا الميل موافقًا لهوى صاحبه، وهذا ما عبَّر عنه مقاتل في الوجه السادس عشر عندما جعل الهدى بمعنى إلهام البهائم.
أمَّا ما قيل في الوجه السابع عشر: هدنا، يعني تبنا، فذلك قوله: (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) {الأعراف: 156} يعني: تبنا إليك )) فـ (هُدْنَا) هنا من الهود وليس من الهدى قال الخليل (( الهود: التوبة قال الله جل وعز:(إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) أي: تبنا إليك، والهود اليهود، هادوا يهودون هودًا )) [2] .
علاقة الوجوه بالمعنى والتفسير:
الأمر الأساسي الذي يبطل فكرة الوجوه المنسوبة إلى الهدى جملة وتفصيلًا، هو أنَّ الهدى ليس من الألفاظ المشتركة؛ فقد تبين أنَّ له دلالته الخاصة به والمستقلة عن دلالات كل الوجوه التي نُسبت إليه، وقد تبيَّن أيضًا أنّ لكلٍّ من هذه الوجوه معناه ولفظه المعبر عنه المختلف عن لفظ الهدى ومعناه
وبالارتكاز على هذه الحقبقة نصل إلى التفسير الصحيح المستوحى من استعمال لفظ الهدى بدلالته، فقد زعم أصحاب الوجوه كما تقدم مجيء الهدى بمعنى الداعي في الوجه الرابع في قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) {الشورى: 52} والمعنى عندهم: وإنَّك لتدعوهم إلى صراط مستقيم، والحقيقة أنَّه ليس المقصود دعوة الناس إلى الصراط المستقيم، إذ هو
(1) المفردات في غريب القرآن ص 563.
(2) العين ص 1024.