(فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) {النمل: 92} فالاهتداء هنا يتناول وجوه الاهتداء من طلب الهداية، ومن الاقتداء ومن تحريها )) [1] .
أي: أن دلالة لفظ الهدى تتوافر فيها ثلاثة عناصر أساسية، لا تتوافر في أي وجه كان من الوجوه المذكورة التي نسبها الوجوهيون إلى لفظ الهدى، وهي: الإمامة والاقتداء والإيصال، ولا يتم الإيصال إلاَّ بتوفيق من الله، وبإذنه كما قال جل ذكره: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) {يونس: 100} .
ولما كان عمل المقتدى والمقتدي لا فائدة منه، ولا أثر له إلاَّ بالإيصال، ولما كان الإيصال لا يتم إلاَّ بتوفيق من عند الله؛ فقد نفاه الله سبحانه عن كل إنسان كائنًا من كان، حتى نفاه عن محمد صلى الله عليه وسلَّم سيد بني آدم، وسيد الرسل والأنبياء، وخير خلقه، وذلك في قوله تعالى: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) {القصص: 56} لذلك نسب الله الهدى إليه، إلاَّ أنَّ الله سبحانه من أجل الاختبار، ولجعل الجزاء مترتبًا عليه جعل هداه للناس متعلقًا بعمل المقتدى والمقتدي؛ فإذا أريد في مواضع مراعاة عمل المقتدى، نسب الله الهدى إليه، فقد نسبه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) {الشورى: 52} كما نسبه إلى إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) {مريم: 43} كما نسبه إلى الصالحين: (وَقَالَ
(1) بصائر ذوي التمييز 5/ 318.