يسمِّ الهدى بهذا الأوجه المذكورة، كما فعلوا، بل سمَّى كلاًّ منها بالهدى؛ لأنَّ كلاَّ منها تتمثل فيه هذه الدلالة، فهي جميعًا وجه واحد، أي: لو صحت هذه الأوجه المختلقة، فهي أوجه محذوفة، وقع الهدى صفة لها، وكثيرًا ما يُحذَف الموصوف في اللغة وتقوم الصفة مقامه، والحقيقة أنَّه قد أريد من الهدى الهدى بعينه وجعله بالمعاني المذكورة يعدُّ تحريفًا لدلالته من معناه العام المراد إلى معان خاصة غير مرادة.
الثالثة: ذكر ما أفاد من الأوجه المخالفة للمعنى المراد:
طريقة الترادف والدراسة المعكوسة هما الشائعتان لاختلاق الوجوه، وهناك طرق أخرى خاصة وخفية، تدخل في باب: ذكر ما أفاد وإن خالف المعنى المراد، والحقيقة أنَّ طريقة الترادف نفسها تدخل بصفة عامة ضمن هذا الباب، من ذلك مثلًا أنَّ من الوجوه السابقة التي اختلقوها للهدى: التقديم، والأذكار، والفضل، فقد استشهد ابن الجوزي للأول بقوله تعالى: (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) {الصافات: 23} [1] لم يقل: فقدموهم إلى الجحيم، بل قال: (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) تهكمًا بالكافرين وبمصيرهم، فمعنى التقديم في هذا التركيب مفيد، لكنه ليس هو المعنى المقصود، كما أنَّ جعل الهدى هنا بمعنى التقديم ألغى قصد التهكم الذي يعد بلا شك من أسلوب القرآن الكريم البلاغي، وهو إضافة معان مقصودة إلى المعنى الأصلي.
(1) نزهة الأعين ص 309.