أجل ذلك فإني أعدُّ زعمهم بمجيء لفظ (الذكر) بمعنى الشرف تحديًا لإرادة الله، والادعاء بوجود دلالة فيه، لم يكن القرآن الكريم راضيًا بأن تكون فيه.
وإني لأعجب أشدَّ العجب حين يتخلون عن معنى الذكر ويبحثون له عن معانٍ يختلسونها من ألفاظ أُخَر؛ ليلبسوه واحدًا منها، أليس للذكر دلالة؟! أليست هي الذكر باللسان؟! وهي دلالة أصلية وحقيقية، لا يمكن التخلي عنها، بأي حال من الأحوال؛ إذ تمثل روحه وجوهره؛ ولهذا نجد ابن قتيبة الذي زعم ما زعمه أصحاب الوجوه والنظائر، سوَّغ جعل لفظ (الذكر) بمعنى الشرف في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) {الزخرف: 44} استنادًا إلى معنى الذكر باللسان، فقال: (( ومن الذكر يوضع موضع الشرف؛ لأنَّ الشريف يُذكَر، قال الله تعالى:(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ) {ازخرف: 44} يريد أنَّ القرآن شرف لك )) [1] .
وهذا مسوغ تافه؛ فكما أنَّ الشريف يُذكر، فكذلك الكريم يُذكر، والماجد يُذكر، والشجاع يُذكر، والصادق يُذكر، والعادل يُذكر، وكل من اتصف بصفة حميدة يُذكر، ولِمَ نقول بمجيء لفظ (الذكر) بمعنى الشرف، من أجل أن نثبت له الذكر الحسن، يا سبحان الله، ما الداعي إلى أن نذهب إلى المعنى الأبعد، لنثبت به المعنى الأقرب؟!
والطبري نفسه، وإن فسَّر الذكر في الآية المذكورة بمعنى الشرف، إلاَّ أنَّه نقل عن مجاهد تفسيرها بمعنى الذكر باللسان، وهو قوله: (( فيقول للرجل، من أنت؟ فيقول من العرب، فيقال: من أيِّ العرب؟ فيقول: من قريش ) ) [2]
(1) تأويل مشكل القرآن ص 95، وينظر: زاد المسير لابن الجوزي 7/ 138.
(2) جامع البيان 25/ 91.