فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 618

ج- حين جعلوا الذكر بدلالة الطاعة استنادًا إلى منهج الوجوه والنظائر، أي: منهج اللفظ المشترك، صرفهم هذا المنهج عن قضية مهمة تتعلق بتفسير هذه الآية، ما كان ينبغي للطبري وغيره من المفسرين أن يغفلوا عنها، وهي أنَّهم لو فسروا لفظ (الذكر) بدلالته الموضوعة التي حددتُها في المحور الثالث، لتوصلوا بكل يسر، ومن دون كدٍّ للذهن إلى أنَّ دلالة الطلب في قوله (فَاذْكُرُونِي) ودلالة جوابه (أَذْكُرْكُمْ) واحدة وأنَّها مرادة لفظًا ومعنىً، كما أنَّها موافقة لقضية أساسية من قضايا العقيدة الإسلامية، وهي أنَّ الجزاء يكون من جنس العمل؛ فجزاء ذِكْرِنا اللهَ، هو أن يذكُرَنا اللهُ، وكما قال الله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) {العنكبوت: 45} والمعنى: أنَّ ذكركَ اللهَ الحاصل، من تلاوة القرآن، ومن إقامة الصلاة، جزاؤه أن يذكركَ اللهُ، وجزاء الله لا يكون من جنس العمل فحسب، بل أعظم، وهذا ما صرَّح به الفيرزآبادي كما تقدَّم عند تفسير قوله تعالى: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) فقال: (( أي: ذكر الله لعبده، أكبر من ذكر العبد له ) ) [1] .

وهذه قاعدة مطردة ثبتت في الكتاب والسنة، وفي مجال العقاب والثواب، كقول الله تعالى: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا) {البقرة: 10} وقوله تعالى: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ {14} اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي

(1) بصائر ذوي التمييز 3/ 12، وينظر: عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، للسمين الحلبي 2/ 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت