فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 618

وزيادة إيماننا؛ أو التأسي بها؛ فالقرآن الكريم لا ينقل لنا أخبار السابقين بتفاصيلها؛ إذ ليس القرآن الكريم كتابًا في التاريخ؛ بل هو كتاب للتذكير والوعظ والإرشاد؛ فاختار من هذه القصص ما يحقق هذا الغرض؛ لذلك عبَّر عنها بلفظ الذكر، الذي يعني التذكير، والخبر يعني العلم، فلكل من الذكر والخبر، سياقه الذي يلائمه ولا يلائم الآخر، وأقرب دليل على ذلك، قوله تعالى في سورة الكهف: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا {66} قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا {67} وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا {68} ) .

فهذا هو موضع الخبر وسياقه، الذي يعني العلم بالشيء والإحاطة به؛ لأنَّ موسى عليه السلام طلب من الخضر أن يزوده بالعلم لا بالذكر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ الخضر عليه السلام قام بأعمال منكرة في الظاهر، يحتاج للصبر عليها إلى العلم بأسرارها ومقاصدها، لذلك خاطبه (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) وما أريدت هذه الدلالة في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا) {الكهف: 83} وإنَّما أريد ما دلَّ عليه لفظ (الذكر) وفي ذلك قال ابن عاشور: (( والذكر: التذكر والتفكر، أي: سأتلوا عليكم منه ما به التذكر، فجعل المتلو نفسه ذكرًا مبالغة بالوصف بالمصدر ) ) [1] .

فالسياق هنا سياق تذكُّر والتذكير بالعبر مما تتضمنه قصة ذي القرنين، فالفرق بين الذكر والخبر ظاهر، حتى لو تقاربا في المعنى، فالقرآن الكريم يتميز من بين سائر كتب البشر، أنَّه يُعنى بهذا الفرق المعنوي مهما خفي

(1) التحرير والتنوير 15/ 122،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت