أمَّا جعل اللام في الوجه الثالث بمعنى (لئلاَّ) في قوله تعالى: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ) فلا يصح؛ لأنَّ اللام تفيد الإثبات ولئلاَ تفيد النفي، فبه يتغير معنى الآية المراد إلى ضده؛ لذلك اتخذ النحاة والمفسرون من معنى (لئلاَّ) وسيلة لتأويل الآيات المثبتة التي تبدو في الظاهر بمعنى النقي، كقوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) {النساء: 176} فقالوا إنَّ الله لا يبين لنا ما نجهله من أجل أن نضلَّ، وإنَّ (أن) هنا بمعنى لئلاَّ، والتقدير: يبين الله لكم لئلاَّ تضلوا، أي: أنَّهم جعلوا (أن) وليس اللام بهذا المعنى في هذا الشاهد القرآني ونحوه [1]
فإذا جعلنا اللام بمعنى (لئلاَّ) في قوله تعالى: (( لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ) عكسنا معنى الآية، ولهذا لم يقل أحد بهذا غير مقاتل ومقلديه من أصحاب كتب الوجوه، قال الأخفش: (( فمعناه، والله أعلم: فعلوا ذلك ليكفروا ) ) [2] وقال الطبري: (((لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ) يقول: ليجحدوا الله نعمته فيما آتاهم من كشف الضر عنهم )) [3] وقال القرطبي: (( أي: ليجعلوا النعمة سببًا للكفر ) ) [4] وقال البيضاوي في النحل: (( ليكفروا بما آتيناهم من نعمة الكشف عنهم، كأنَّهم قصدوا بشركهم كفران النعمة، أو إنكار كونها من الله ) ) [5] وقال في العنكبوت: (((لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ) اللام فيه لام (كي) ،
(1) ينظر: دراسات في النحو القرآني ص 17 - 24.
(2) معاني القرآن ص 267.
(3) جامع البيان 14/ 146، وينظر: الوسيط للواحدي 3/ 66.
(4) الجامع لأحكام القرآن 10/ 84.
(5) أنوار التنزيل 3/ 230.