أحدهما: أنَّ (أنَّ) المشددة هي الأصل و (أنِ) الخفيفة فرع عليها، ولا خلاف أنَّ الأصل أقوى من الفرع، فإذا لم يعمل الأصل مع الحذف، مع كونه أقوى، فلا يعمل الفرع مع كونه أضعف، كان ذلك من طريق أولى.
والوجه الثاني: أنَّ (أنَّ) المشددة من عوامل الأسماء، و (أنِ) الخفيفة من عوامل الأفعال، ولا خلاف أنَّ عوامل الأسماء، أقوى من عوامل الأفعال، وإذا لم تعمل (أنَّ) المشددة مع الحذف، وهي أقوى، فلا تعمل (أنِ) الخفيفة مع الحذف، وهي أضعف، كان ذلك أولى )) [1] .
4 -ونحن حين نجعل (حتى) بمعنى (إلى أن) من أجل أن نزعم أنَّ المضارع منصوب بـ (أن) مضمرة بعدها وليس بـ (حتى) نفسها، نكون قد عمدنا إلى تحريف دلالة الحرف القرآني من أجل أن نثبت قولًا خاطثًا، فلو كان المراد من (حتى) مثلًا في قوله تعالى: (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) معنى (إلى أن) لاستُعمِلَت، ولأفادت نقلة مرة واحدة، مبتدؤها يوم (زلزلوا) ومنتهاها يوم (يقول) ، وأنت تشعر أنَّ (إلى أن) ليس هنا موضعها، بل هذا موضع (حتى) ؛ لأنَّ الرسول لا يجزع لأول زلزال يصيبه، أو يكون ثمة انقطاع أو فراغ بين الزلزال والقول؛ لأنَّ (حتى) ليست مثل (إلى أن) لانتهاء الغاية فحسب، بل فيها مع ذلك معنى العطف ليكون المراد أنَّ حدوث الزلزلة ليس له بداية واحدة، بل بدايات متعاقبة توالت حتى حدوث القول؛ ليكون قول الرسول معطوفًا على آخر هذه البدايات المتتالية المتصل بها، فهي كما عرفها ابن هشام وفرَّق بينها وبين (إلى) فقد مر قوله: (( فلأنَّ(حتى) موضوعة لإفادة تقصي الفعل قبلها شيئًا فشيئًا إلى الغاية،
(1) الإغراب في جدل الإعراب، ولمع الأدلَّة في أُصول النحو ص 138.