نسيه من أُمور الخير، وتذكيره بما غفل عنه من العواقب، وأقول هنا ما قلتُه هناك في معنى البيان: أنَّه لو كانت صيغة التذكير في الآيات المذكورة ونحوها بدلالة العظة أو الوعظ، فلِمَ إذن لم يستعمل القرآن الكريم لفظ (الوعظ) بدلًا من لفظ (الذكر) ؟! فالقول بأنَّ الذكر يعني العظة، يعني القول بتطابقهما التام في الدلالة في القرآن الكريم، ولا وجود لمثل هذا التطابق في كتاب الله؛ لأنَّه لو صح ذلك لتخلَّى القرآن الكريم عن استعمال أحد هذين اللفظين، فاستعمالهما معًا يدل قطعًا على اختلاف معنيهما.
4 -الحفظ: وزعموا أيضًا أنَّ لفظ (الذكر) جاء بمعنى الحفظ، كقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) {البقرة: 63} يعني: احفظوا ما في التوراة من الأمر والنهي، وقوله تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ) {آل عمران:103} [1] .
ومن المعلوم أنَّ حفظ ما في كتب الله، أو حفظ أوامره ونواهيه لا يعني وضعها في صندوق، أو خزانة، وإنما المراد حفظها بالقلب، ولا يتأتى هذا إلاَّ باستمرار ذكرها باللسان، أو الحديث عنها بالقلب، أو تذكرها في الذهن بين حين وآخر، وقد عُرِّف الحفظ بأنَّه نقيض النسيان [2] .
(1) ينظر:: الوجوه والنظائر، لهرون بن موسى ص 49، والوجوه والنظائر للعسكري ص 162، والوجوه والنظائر للدامغاني ص 218، ونزهة الأعين ص 129 ومنتخب قرة العيون لابن الجوزي ص 120،
(2) ينظر العين للفراهيدي ص 200