جعلنا (نعله) معطوفًا على الصحيفة والزاد، وحددنا أنَّه ألقى ثلاثة أشياء: الصحيفة والزاد ونعله، أمَّا باستعمال (حتى) صار ما ألقاه غير محدد وغير مصرح به، وصار (نعله) معطوفًا على آخر الأشياء التي ألقاها بعد الزاد وقبل النعل، والمعنى: ألقى الصحيفة والزاد وكل ما كان يثقله متاعًا بعد متاع، وكان آخر الأمتعة التى ألقاها نعله، فمعنى العطف في (حتى) هو غير معنى العطف في الواو.
وكذلك هي عاطفة في حال الجر، وأنَّها ليست بمنزلة (( إلى) ؛ والدليل على ذلك عدم صحة تقديرها بـ (إلى) في البيت، إذ ما معنى أن يفال: والزادَ إلى نعله ألقاها، وإنَّما جاز العطف نصبًا وجرًّا استنادًا إلى المعنى المذكور: ألقى الصحيفة والزاد وكل ما كان يثقله متاعًا بعد متاع، فجاز النصب عطفًا على (متاعًا) وجاز الجر عطفًا على (متاعٍ) .
وكذلك الحال في المثال: أكلتُ السمكة حتى رأسها، فالرفع هو على عطف مضمون ما بعدها على مضمون ما فبلها، والنصب والجر على جواز العطف على منصوب ومجرور مفهوم من الكلام؛ إذ المعنى: أكلتُ السمكة عضوًا عضوًا، أو عضوًا بعد عضوٍ حتى كان رأسها آخر هذه الأعضاء التي أكلتها، فالنصب عطفًا على (عضوًا) والجر عطفًا على (عضوٍ) و (حتى) هنا في حال النصب ليست بمنزلة واو العطف؛ لأنَّه عند العطف بالواو وقولنا: أكلتُ السمكة ورأسَها، يكون من باب عطف الجزء على الكل، وهذا النوع لم يكن هو المراد كما هو واضح، ولم تكن بمنزلة (إلى) في حال الجر؛ لأنَّ (إلى) لا تفيد كـ (حتى) تقصِّي المأكول شيئًا فشيئًا، أو شيئًا بعد شيء حتى بلوغه الرأس.