من أقوى الأدلة على بطلان قولهم هذا أنَّ الله سبحانه لو أراد من الذكر في هذه الآيات معنى البيان لاستعمل لفظه، وقد وصف الله قرآنه بالبيان بلفظه، كما قال تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ) {آل عمران: 138} ألم تضع لغة العرب، ولغة القرآن الكريم لفظ (البيان) للتعبير عن معنى البيان، فلِمَ إذن تستعمل لفظ (الذكر) بدلًا منه للتعبير عن هذا المعنى؟! لو رأيتَ رجلًا يمسك الأشياء بقدمه، ويأكل ويكتب بها، وقد ترك كفَّه السليمة التي خلقها الله للإنسان؛ ليستخدمها لمثل هذه الأعمال، ماذا تقول عنه؟، فأصحاب الوجوه والنظائر، ومن حذا حذوهم من المفسرين، يكونون في هذا الموضع، قد اتهموا القرآن من حيث لم يشعروا بأنَّه دخل البيوت من غير أبوابها، فللفظ (الذكر) دلالته التي يجب أن يُفَسَّر بها الشاهد القرآني، فقوله تعالى: (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين) {يوسف: 104} تفسيره كما قال الطبري (( يقول تعالى ذكره: ما هذا الذي أرسلك به يا محمد من النبوة والرسالة إلاَّ ذكر وعظة وتذكير للعالمين، ليتعظوا ويتذكروا به ) ) [1] وقال الواحدي (((إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين) تذكرة لهم بما هو صلاح لهم ونجاتهم من النار )) [2] وبهذه الدلالة أيضًا جاء تفسير قوله تعالى: (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ) {ص: 49} قال الطبري في تفسير هذه الآية: (((هذا ذكر) يقول تعالى ذكره: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك، يا محمد ذكر لك ولقومك، ذكَّرناك وإياهم به )) [3] وقال الزجاج: (( معناه والله أعلم: هذا شرف وذكر جميل، يُذكرون به أبدًا،
(1) جامع البيان 13/ 92.
(2) الوسيط في تفسير القرآن المجيد 2/ 637 ..
(3) جامع البيان 23/ 202.