والتقدير عندهم: وما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنًا، ويمكن أن نعدَّ (ينبغي) مرادفًا لـ (كان) في مثل هذا الموضع، وهذا يعني أنَّه لا بدَّ من أن يكون هناك فرق بينهما في الدلالة، قال ابن فارس: (( بغيتُ الشيء أبغيه: إذا طلبته، ويقال: بغيتك الشيء: إذا طلبته لك، وأبغيتك الشيء: إذا أعنته على طلبه 000 وتقول: وما ينبغي لك أن تفعل كذا، وهذا من أفعال المطاوعة، بغيتُ فانبغى، كما تقول كسرته فانكسر ) ) [1] وقال الراغب: (( وقولهم ينبغي مطاوع بغى، فإذا قيل: ينبغي أن يكون كذا، فيقال على وجهين، أحدهما: ما يكون مُسَخَّرًا للفعل، نحو: النار ينبغي أن تحرق الثوب، والثاني: على معنى الاستئهال، نحو: فلان ينبغي أن يُعطى لكرمه، وقوله تعالى:(وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ) {يس: 69} على الأول، فإنَّ معناه: لا يتسخَّر ولا يتسهَّل له؛ ألا ترى أنَّ لسانه لم يكن يجري به )) [2]
فبان الآن الفرق بينهما، فقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا) تقديره: وما كان قتل مؤمن لمؤمن؛ لأنَّ (أَن يَقْتُلَ) في محل رفع اسم (كان) مؤخر في تأويل المصدر، و (لِمُؤْمِنٍ) شبه جملة في محل نصب خبر مُقدَّم، فهو مجرد نفي، والمعنى: وما كان قتل مؤمن واقعًا لمؤمن، أو حاصلًا له إلاَّ خطأً، ولو قيل في الكلام: وما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنًا، أفاد أنَّ طلب قتل مؤمن غير متيسَّر أمره لمؤمن، ولا مُهيَّأ حصوله له؛ أي: أنَّ أسبابه ودوافعه غير متوافرة ذاتيًّا وكونيًّا، بمعنى: أنَّ قتل مؤمن لا يليق
(1) مقاييس اللغة ص 101.
(2) المفردات ص 61.