ففي (أم) هذه معنى الاستفهام والعطف و (أو) ، إلاَّ أنَّها تختلف عن واو العطف؛ لأنَّها كـ (أو) لا تفيد إشراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، بل هي لأحد الشيئين، وهي أيضًا تختلف عن (أو) لأنَّ فيها معنى الاستفهام عن أحقية أحدهما، أو الاستفهام عن تعيينه، قال الزمخشري في الفرق بينهما: (( والفصل بين(أو) و (أم) في قولك: أزيد عندك أو عمرو، و: أزيد عندك أم عمرو، أنَّك في الأول لا تعلم كون أحدهما عنده، فأنت تسأل عنه، وفي الثاني: تعلم أنَّ أحدهما عنده، إلاَّ أنَّك لا تعلمه بعينه، فأنت تطالبه بالتعيين )) [1] وقال ابن بعيش: (( فإذا قال: أزيد عندك أم عمرو، فالمراد: أيهما عندك؟ فأنت تدري كون أحدهما عنده بغير عينه، فأنت تطلب تعيينه، فيكون الجواب: زيد أو عمرو، ولا تقول نعم ولا(لا) لأنَّه لا يريد السائل هذا الجواب على ما عنده، فقد تبيَّن أنَّ السؤال بـ (أو) معناه: أأحدها؟ وبـ (أم) معناه: أيهما؟ فإذا قال: أزيد عندك أو عمرو؟ فأجبت بـ (نعم) عُلِم أنَّه عنده أحدهما، وإذا أراد التعيين وضع مكان (أو) (أم) وقال: أزيد عندك أم عمرو، فيكون حينئذ الجواب: زيد أو عمرو )) [2]
فـ (أم) إذن تستعمل عاطفة لأحد الشيئين أو الأشياء، مع الاستفهام عن أحقية أحدهما أو أحده أو تعيينه، والأوجه الثلاثة التي ذكرها أهل الوجوه لا تخرج جميعها عن هذا المعنى، فقد جعلوها في الوجه الأول بمعنى همزة الاستفهام، كقوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) {الطور: 35} والمعنى: أخلقوا من غير شيء، وقد أشرت من قبل أنَّ مقاتل ومن
(1) المفصل في علم العربية ص 395.
(2) شرح المفصل لابن يعيش 5/ 18.