زائدة فلستُ أرى هذا كما قالوا، وذاك أنَّ كل كلمة إذا وقعت وقع معها معنى، فإنَّما حدثت لذلك المعنى، وليست بزائدة، فذلك قولهم: ما جاءني من أحد، ما رأيتُ من رجل، فذكروا أنَّها زائدة، وأنَّ المعنى: ما رأيتُ رجلًا، وما جاءني أحد، وليس كما قالوا؛ وذلك لأنَّها إذا لم تدخل جاز أن يقع النفي بواحد دون سائر جنسه، تقول: ما جاءني رجل، ما جاءني عبد الله، إنَّما نفيت مجيء واحد، وإذا قلتَ: ما جاءني من رجل، فقد نفيت الجنس، ألا ترى أنَّك إذا قلتَ: ما جاءني من عبد الله، لم يجز؛ لأنَّ عبد الله معرفة، فإنَّما موضعه موضع واحد )) [1] والجدير بالذكر أنَّ الهروي على الرغم من أنَّه قال بمجيء (مِن) زائدة [2] أكَّد عدم زيادتها بقوله: (( واعلم أنَّ(مِن) الزائدة للتوكيد لا تدخل على المعرفة، ولا تدخل في الإيجاب، لا تقول: ما جاءني من عبد الله، ولا تقول: جاءني من رجل 000 واعلم أنَّك إذا قلتَ: ما جاءني من رجل، فإنَّ فيه فائدة، ومعنى زائدًا على قولك: ما جاءني رجل، وذلك أنَّك إذا قلتَ: ما جاءني رجل، احتمل أن يكون نافيًا لرجل واحد، وقد جاءك أكثر من رجل، واحتمل أن يكون نافيًا لجميع جنس الرجال، وإذا أدخلتَ (مِن) فقلتَ: ما جاءني من رجل، كنتَ نافيًا لجميع الجنس، فمن هنا توجب استغراق الجنس، وكذلك ما أشبهه )) [3]
والمرادي بعد أن ذكر أنَّ لـ (مِن) الجارة أربعة عشر معنى، استدرك على ما ذكره فقال: (( ولم يثبت أكثر النحويين لـ(مِن) جميع هذه المعاني، وتأولوا
(1) المقتضب تحقيق هرون 1/ 44 وتحقيق بديع 1/ 86 - 87.
(2) الأزهية في علم الحروف ص 234.
(3) الأزهية في علم الحروف ص 239.