وكذلك من ادعى أنَّ فيه حروفًا زائدة، فقد قال الأخفش: في (( باب زيادة(مِن) 000 وإن شئت جعلته على قولك: ما رأيتُ من أحد، تريد: ما رأيتُ أحدًا، وهل جاءك من رجل، تريد: هل جاءك رجل، فإن قلتَ: إنَّما يكون هذا في النفي والاستفهام، فقد جاء في غير ذلك، وقال تعالى: (وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ) {البقرة: 271} فهذا ليس باستفهام ولا نفي )) [1] و (مِن) هنا ليست زائدة كما ادعى الأخفش بل هي تبعيضية، وقد تقدَّم ادعاء أصحاب الوجوه بأنَّ (مِن) صلة، أي: زائدة في قوله تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ {30} وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) {النور: 30 - 31}
والغض يعني: إطباق الجفن بحيث يمنع الرؤية [2] فلو قال سبحانه: قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم عما حرَّم الله، لوجب عليهم أن يحجبوا أعينهم عن الرؤية، كلمَّا وقع بصرهم على الحرام، فلا يرونه، ولا يرون ما حوله، لذلك لم يأمر الله المؤمنين بغض البصر كله، بل بحجب بعضه؛ لكي لا يرى به ما حرم الله، ويطلق بعضه الآخر؛ ليرى به ما يحتاج إلى رؤيته فقيَّده بجره بـ (مِن) التبعيضية، فقال: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) ولهذا نسب الطبري إلى ابن زيد قوله: (( يغض من بصره 000 إذا رأى ما لا يحل له غضَّ من بصره، لا ينظر إليه، ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كلَّه، إنَّما
(1) معاني القرآن ص 79 - 80.
(2) ينظر: الدر المصون 8/ 397، واللباب في علوم الكتاب 14/ 349.