فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 618

من أجل هرة، ولو استعمل الباء لأفاد إلصاق العلة بالهرة، ولو استعمل على لأفاد تسليط العلة عليها، ولو استعمل (مِن) لأفاد أنَّ علة دخولها النار ابتدأت منها، ولكن لمَّا أراد الإخبار بأنَّ علة دخولها النار كانت كامنة في الهرة، ومتمكنة فيها استعمل (في) لأنَّها أقوى الحروف وأقربها للتعبير عن هذا المعنى المراد؛ لكونها تفيد معنى الدخول في الشيء.

فلكل حرف في اللغة معناه المستقل عن غيره، والقرآن الكريم ما عبَّر عن المعاني إلاَّ بألفاظها الخاصة بها، فلو أراد معنى اللام كما جاء في الوجه التاسع في قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ) لاستعمل اللام وقال: وجاهدوا لله، كما استعملها في قوله تعالى: (وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) {العنكبوت: 6} ولو أراد معنى المعية كما جاء في الوجه السابع في قوله تعالى: (لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) لاستعمل مع وقال: لندخلنهم مع الصالحين، كما استعملها في قوله تعالى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ) {يوسف: 36} ولأنَّ القرآن ما عبَّر عن المعانى إلاَّ بألفاظها، فقد يجمع بينها في التركيب نفسه كقوله تعالى: (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) {النمل: 19} فـ (في) تفيد معنى الدخول في الشيء، والباء تفيد معنى الواسطة والسببية، وهذا المعنى يلزم منه الإلصاق بما اتخذ وسيلة للدخول في عباد الله الصالحين، وهذا يدل على أنَّ مرتبة الصالحين أعلى من مرتبة المرحومين.

فلقد طال ما نوَّهتُ على أنَّ الحرف لم يستعمل في القرآن الكريم إلاَّ لمعناه الموضوع له، ولم يؤتَ به إلاَّ للحاجة إلى دلالته للتعبير به عن المعنى المراد، والذي مكَّن أصحاب كتب الوجوه، وأصحاب كتب حروف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت