المعاني، من اختلاق الأوجه والمعاني للحروف، هو أنَّه كثيرًا ما يجوز أن يُستبدل بعضها ببعض في التركيب من دون أن يختل معناه، أي: اتبعوا طريقة ذكر ما أفاد من الأوجه والمعاني وإن خالف المعنى المراد، وهذه حقيقة نبَّه عليها الزجاج، فقد قال فيما يتعلق بجعل إلى بمعنى مع في قوله تعالى: (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ) {آل عمران: 52} : (( جاء في التفسير: مَن أنصاري مع الله، و(إلى) ههنا قاربت (مع) معنًى، بأن صار اللفظ لو عُبِّر عنه بـ (مع) أفاد مثل هذا المعنى، لا أنَّ (إلى) في معنى (مع) لو قلتَ: ذهب زيد إلى عمرو، لم يجز: ذهب زيد مع عمرو؛ لأنَّ (إلى) غاية و (مع) تضم الشيء إلى الشيء، فالمعنى يضيف نصرته إياي إلى نصرة الله، وقولهم: إنَّ (إلى) في معنى (مع) ليس بشيء، والحروف قد تقاربت في الفائدة، فيُظنُّ الضعيف في اللغة أنَّ معناهما واحد )) [1]
وهذا الذي حصل، فلأنَّ (في) والحروف التي عدوها من وجوهها أو معانيها تقاربت في الفائدة ظنوا أنها جاءت بمعناها.
فـ (في) لم ترد في القرآن الكريم إلاَّ بدلالتها، ولم يكن لها في كل مواضعها غير وجه واحد، ولم ترد بمعنى حرف آخر في كتاب الله؛ ليكون لها وجوه، كما زعم أصحاب الوجوه وغيرهم، قال المالقي: (( اعلم أنَّ(في) حرف جر لما بعده، ومعناها الوعاء، حقيقة أو مجازًا، فالحقيقة نحو:000 قوله تعالى: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) {البقرة: 39} والمجاز كقولك: دخلتُ في الامر، وتكلمتُ في شأن حاجتك، ومنه قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً) البقرة:
(1) معاني القرآن وإعرابه 1/ 351.