فإذا كان يلبسون معناه في اللغة يخلطون، فكيف يصح جعله وجهًا، كما فعل مقاتل ومقلدوه في الوجه الأول؛ إذ كيف نجعل من معنى اللفظ وجهًا له؟!
كما أنَّهم ذكروا لفظ اللبس من دون تحريك اللام، ولم ينبهوا على أنَّ اللَّبس بالفتح يعني ما أشكل أمره ولم يتضح، وهو المعنى الذي تقدَّم ذكره، وشاهده: (وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) ، و (( اللُّبْسُ بالضم، مصدر قولك: لبِسْتُ الثوبَ ألْبَسُه ولبِستُ امرأة: تمتعْتُ بها زمانًا، ولَبِسْتُها عُمُري: أي: كانت معي شبابه كله 000 واللباس 000 ما يُلْبَس 000 قال الله تعالى:(هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) {البقرة: 187} أي: بمنزلة اللباس، وقوله تعالى: (جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا) أي: يستر الناس بظلمته )) [1] ، وفي قوله تعالى: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) {النحل: 112} قال الزجاج (( وقد جاعوا حتى بلغوا إلى أن أكلوا الوبر بالدم، وبلغ منهم الجوع الحال التي لا غاية بعدها ) ) [2] (( فضُرِبَ اللباس لما نالهم من ذلك مثلًا لاشتماله على لابسه ) ) [3]
فاللباس في قوله تعالى: (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) أريد به ما يعنيه اللباس، ولم يُرد به السكن، كما قيل به في الوجه الثاني؛ لأنَّه لو أراده لعبَّر
(1) بصائر ذوي التمييز 4/ 417 - 418.
(2) معاني القرآن وإعرابه 3/ 181.
(3) تهذيب اللغة 4/ 3229، وبصائر ذوي التمييز 4/ 418.