فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 618

الكريم أيضًا أن يعبِّر عن هذا المعنى قال سبحانه (وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) {المطففين: 30}

فهذه ثلاث حالات حاصلة وجائزة جميعها على حد سواء، وقد عبَّر القرآن الكريم عن كل حالة منها باللفظ والتركيب المطابق للمعنى المراد، فلا أدري إلى أي مسوغ لغوي، أو دلالي استند إليه مقاتل والوجوهيون من بعده في جعل المشي بين المنازل بمعنى المرور عليها؟! فليس لهم أي مسوغ سوى اللعب بألفاظ القرآن الكريم ومقاصده، وسوى إظهار مقدرتهم على اختلاق الوجوه، ولو كان على حساب الحقيقة.

والألفاظ المترادفة مهما بلغت شدة اقتراب معنى بعضها من بعض، فإنَّ استعمالها جميعًا في القرآن الكريم، لا بد أن يكون مستندًا إلى وجود فرق بينهما في الدلالة، وإن لم يتضح هذا الفرق عند أهل اللغة، فقد قال ابن فارس عن الجذر مرَّ: (( الميم والراء أصلان صحيحان يدل أحدهما على مضي شيء، والآخر على خلاف الحلاوة والطيب، فالأول: مرَّ الشيء يمُرُّ: إذا مضى، ومر السحاب: انسحابه ومضيُّه ) ) [1] وقال عن الجذر مضى: (( الميم والضاد والحرف المعتل، أصل صحيح يدل على نفاذ ومرور ) ) [2]

فأنت تلحظ بوضوح تداخل معنيي مرَّ ومضى، ومع هذا التداخل الكيبير بينهما فإنَّ القرآن الكريم فرَّق بينهما في المعنى والاستعمال، فاستعمل (مضى) في قوله تعالى: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ

(1) مقاييس اللغة ص 842

(2) مقاييس اللغة ص 864.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت