ولكل منهما معناه، والفرق بينهما واضح، حتى إنَّهما لم يستعمل أحدهما بمعنى الثاني، ولم يرد أحدهما في موضع الآخر، كما أنَّ الفعل مر لا يتعدى إلى مفعوله بـ (في) كحال الفعل مشى، بل يتعدى إليه بالباء، أو بـ (على) .
فقد كان من الطرق التي يسلكها العرب في أسفارهم، ما تطل على القرى التي دمرها الله لظلم أهلها، فلمَّا أراد القرآن الكريم أن يعبِّر عن هذا المعنى قال سبحانه: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ) {الصافات: 137} قال ابن الجوزي: (( هذا خطاب لأهل مكة كانوا إذا ذهبوا إلى الشام وجاؤوا، مروا على قرى قوم لوط صباحًا ومساءً ) ) [1] وقد يُراد من استعمال (عليه) العلو المعنوي، كقوله تعالى: (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) {هود: 38} كأنّهم ينظرون إليه من مقام أعلى من مقامه، لذلك كانوا يسخرون به كلما مروا عليه.
وكان من هذه الطرق ما يخترق مثل هذه القرى، فتمشي قوافلهم بين أطلال منازلها، فلمَّا أراد القرآن الكريم التعبير عن هذا المعنى، قال سبحانه: (( أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ) {السجدة: 26}
وكان الذين آمنوا في مكة يمشون قريبين من مجالس المشركين، ومواطن لهوهم؛ لأنَّها على طريق ممشاهم، فيلقون منهم أذى الغمز، فلمَّا أراد القرآن
(1) ينظر: زاد المسير 6/ 321.