فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 618

واستعمل المشي من دون السير في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) {الملك: 15} لأنَّ الكسب اليومي وطلب الرزق في مناكب الأرض يتطلب استمرار المشي والتجوال فيها على الأقدام.

ولما شبه القرآن الكريم في الوجه الثاني دين الله بالنور، والنور أمر حسي، كان من المناسب أن يرتبط به فعل يحمل دلالة حسية، وهو الفعل يمشي؛ ليتألف من الجمع بين النور والمشي صورة حسية متحركة، فالمسلم حين يقرأ قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) ترتسم في ذهنه صورة إنسان يمشي، وبين يديه مصباح ينير به طريقه، ولا يتحقق هذا المشهد، باستعمال الهدى؛ لأنه دلالة معنوية؛ فتناسبه الأمور المعنويه لا الحسية، ولذلك استعمل مفاتل الهدى مع الإيمان في التقدير، فقال: (( يقول إيمانًا يهتدي به ) )وقال: (( يقول إيمانًا تهتدون به ) )

وقد مر تعريف المهتدي، بانَّه هو المقتدي، فـ (يهتدي) هو الذي يقتدي بغيره، ليصل به إلى ما يبتغي [1] وهذا هو معنى التقديرين المذكورين، فيكون قولنا: يهتدي بالنور، يعني: يقتدي بالنور، أمَّا إذا قلنا: يمشي بالنور، فلا يكون المعنى:، يمشي مقتديًا به، بل: يمشي مستصحبًا إياه، أي: يُمَشِّيه معه؛ لينير له ما بين يديه أينما مشى، فتكاد تكون دلالة المشي بالنور ضد دلالة الاهتداء بالنور

أمَّا جعل المشي بمعنى الممر في الوجه الثالث فهو قول اعتباطي، ليس له أي مسوغ كان من مسوغات اللغة، أو الدلالة؛ لأنَّ المشي والمرور معروفان،

(1) ينظر: بصائر ذوي التمييز 5/ 318.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت