والهدى، والسير، وقد تقدم أنَّ كتب الوجوه والنظائر قامت على أساس ظاهرة اللفظ المشترك، أي: على أساس أنَّ الوجوه التي يشترك فيها لفظ واحد، تمثل معاني حقيقية غير مجازية، والأوجه المذكورة هي في الحقيقة ليست أوجهًا للفظ المشي، بل هي من مرادفاته، فهي كما قال العسكري: (( وهذه المعاني كلها متقاربة، يجوز أن يقع بعضها مقام بعض ) ) [1]
2 -ذكرتُ غير مرة أنَّ الترادف إذا قصد به التطابق في المعنى، فلا وجود له في القرآن الكريم، وإذا قصد به التقارب في المعنى، فهو موجود في القرآن الكريم، وفي كلام العرب، وفي كل لغة من لغات العالم، لأنَّ المعاني التي يحتاج الإنسان إلى التعبير عنها، لا بد من أن تكون متفاوتة في القرب والبعد عن بعضها، وكتاب الله يتميز بالدقة في اختيار المعنى المراد التعبير عنه، من دون الخلط بينه وبين المعاني الأُخر، مهما بلغت شدة قربها منه، وهذا الخلط كثيرًا ما يحصل في كلام الناس وكتب البشر، إلاَّ أنَّه غير حاصل البتة في كتاب الله.
3 -ثمة سؤال لا بد من ذكره، وهو: ما المسوغ اللغوي، أو الدلالي الذي استند إليه مقاتل ومقلدوه في جعل المشي بمعنى المضي في الوجه الأول، وبمعنى الهدى في الوجه الثاني، وبمعنى الممر في الوجه الثالث أو بمعنى السير؟! لا مسوغ البتة، وإنما هو الولع في اختلاق الوجوه، والذي يسَّر لهم ذلك اتباع سبيل الترادف، ومن المعلوم أنَّه ما من لفظ في اللغة والقرآن الكريم إلاَّ
(1) الوجوه والنظائر ص 307.