وقد أجمع أهل اللغة، كما تقدم، على تعريف الفساد بأنَّه ما كان خلاف الصلاح.
والفساد من الألفاظ العامة، وهذا يعني أنَّه لا بد من أن تكون هناك ألفاظ مرادفة له، أي: قريبة من معناه، كالهلاك، والخراب، اللذين قيل بهما في الوجه الثاني، والخامس، وقد تبيَّن أنَّ من علامات وجوه اللفظ المشترك أن لا ترتبط فيما بينها بصلة الترادف، كما أنَّه لا بد أيضًا من أن تكون هناك ألفاظ ترتبط بالفساد بمعناه العام، فلا شك في أن في اقتراف المعاصي، وحصول القحط، وجريمة القتل، والعمل بالسحر، فسادًا لحياة الناس، وهي التي قيل بها في الوجه الأول، والثالث، والرابع، والسادس،، وهذه الحقيقة أكدها العسكري، فقد قال في وجه القتل: (( وعندنا أنَّ الفساد في هذا الموضع: ضد الصلاح، والقتل داخل في ذلك ) ) [1] فكما أنَّ وجه القتل داخل في الفساد، فكذلك باقي الأوجه جميعها داخلة فيه، وهي كما قلنا ترتبط به بمعناه العام.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنَّ من حق أي باحث كان أن يسأل أصحاب كتب الوجوه، أنَّه لِمَاذا عبَّر القرآن الكريم عن هذه الأوجه بلفظ الفساد ولم يعبِّر عنها بألفاظها؟ ما المسوغ وما الداعي إلى ذلك؟ وأي إجابة عن هذا السؤال، لا بدَّ أن تستند إلى المعنى، ولا بد َّمن أن يكون الجواب، أنَّه عبَّر عنها بلفظ الفساد، لأنَّه أراد معنى الفساد، ولم يعبِّر عنها بألفاظها، لأنَّه ما أراد معاني تلك الأوجه، وإذا أصروا أنَّه أرادها وسُئلوا السؤال نفسه، فإنَّهم لن يستطيعوا الإجابة عنه، ولو كان بعضهم لبعض
(1) الوجوه والنظائر ص 255.