وكل هذا فقد كفاه الله أمره، وعصمه ضره وشره. فإن قيل: فما معنى قوله الله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [1] فقد قال بعض المفسرين: إنها راجعة إلى قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [2] ، ثم قال: وإما ينزعنك: أي يستخفنك غضب يحملك على ترك الإعراض عنهم فاستعذ بالله تعالى 0
وقيل: النزع هنا الفساد، كما قال تعالى: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [3] و قيل: ينزغنك: يغرينك و يحركنك.
والنزغ: أدنى الوسوسة، فأمره الله تعالى أنه متى تحرك عليه غضب على عدوه، أو رام الشيطان من إغرائه به وخواطر أداني وساوسه، لم يجعل له سبيل إليه ـ إن يستعيذ منه، إن يستعيد منه، فيكفى أمره، ويكون سبب تمام عصمته، إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له، ولم يجعل به قدرة عليه. وقد قيل في هذه الآية غير هذا. وكذلك لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك، ويلبس عليه، لا في أول الرسالة و لا بعدها. والاعتماد في ذلك دليل المعجزة، بل لا يشك النبي أن يأتيه من الله الملك ورسوله حقيقة إما بعلم ضروري يخلقه الله له، أو ببرهان يظهره لديه، لتتم كلمة ربك صدقًا وعدلًا، لا مبدل لكلماته. [4]
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
(1) - سورة الأعراف آية (200)
(2) - سورة الأعراف آية (199)
(3) - سورة يوسف الآية: 100.
(4) - صحيح مسلم ج 4 ص 2168 وكنز العمال 11809 ,31957