وروي عن أنس بن مالك، وسعيد بن جبير، أنها التكبيرة الأولى يعني تكبيرة الإحرام، وقيل: إلى الإخلاص في الأعمال، كما قاله عثمان بن عفان؛ لأنَّ المقصود من جميع العبادات هو الإخلاص. وقيل: إلى الهجرة، وقيل: إلى الجهاد، كما قاله الضحاك، ومحمد بن إسحاق. وينبغي: أن تحمل هذه الأقوال على التمثيل، لا على التعيين والحصر. {وَجَنَّةٍ} ؛ أي: وسارعوا إلى جنة موصوفة بما سيأتي، وأنما فصل بين المغفرة والجنة؛ لأن معنى المغفرة إزالة العقاب، ومعنى الجنة إيصال الثواب، فلا بد للمكلف من تحصيل الأمرين فجمع بينهما للإشعار؛ بأنه لا بدَّ من المسارعة إلى التوبة الموجبة للمغفرة، وذلك بترك المنهيات، ومن المسارعة إلى الأعمال الصالحة المؤدية إلى الجنة.
{عَرْضُهَا} ؛ أي: عرض تلك الجنة وسعتها {السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} ؛ أي: كعرض السماوات السبع والأرضين السبع وسعتهما، بمعنى لو جعلت السماوات والأرض طبقًا طبقًا، ووصلت تلك الطبقات بعضها ببعض كالثياب، وجعلت طبقًا واحدًا .. لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذا غاية في السعة، فإذا كان عرضها كذلك فكيف بطولها؛ لأن الغالب أنَّ الطول يكون أكثر من العرض. وإنما مثل عرض الجنة بعرض السماوات والأرض؛ لأنهما أوسع مخلوقات الله تعالى فيما يعلمه الناس، وإنما جمعت السماوات وأفردت الأرض؛ لأن السماوات أنواع قيل: بعضها فضة وبعضها غير ذلك، والأرض نوع واحد.
وقال أبو مسلم: إن العرض هنا ما يعرض من الثمن في مقابلة المبيع؛ أي: ثمنها، لو بيعت كثمن السماوات والأرض، والمراد بذلك عظم مقدارها وجلالة خطرها، وإنه لا يساويها شيء وإن عظم {أُعِدَّتْ} ؛ أي: هيئت تلك الجنة {لِلْمُتَّقِينَ} الشرك، والمعاصي بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات. وفي الآية دليلٌ على أن الجنة مخلوقةٌ الآن، وأنها خارجةٌ عن هذا العالم؛ إذ أنها تدل على أن الجنة أعظم، فلا يمكن أن يكون محيطًا بها.