قوله: {وَشَهِدُوا} منسوق على ما يمكن في التقدير؛ وذلك أن قوله: {بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} يمكن أن يكون: (بعد أن آمنوا) ، و (أَنْ) الخفيفة مع الفعل، بمنزلة المصدر، كقوله: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184] ، أي: والصوم.
ومثل هذا ممّا حُمِلَ عَلَى الإمكان قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ} ، فهو عطف على قوله: {إِلَّا وَحْيًا} ، ويمكن فيه: إلا أَنْ يوحى إليه. فلمّا كان قوله: {إِلَّا وَحْيًا} بمعنى: يوحى إليه، حمله على ذلك. ومثله من الشعر، قوله:
فَظَلَّ طُهاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ ... صَفِيفَ شِواءٍ أو [قَدِيرٍ مُعَجَّلِ]
خَفَضَ قولَه: (قَدِيرٍ) ؛ لأنه عَطْفٌ على ما يمكن في قوله: (مُنْضِجٍ) ، لأنه أمكن أن يكون مضافًا إلى الصَّفِيفِ، فحمله على ذلك.
وقوله تعالى: {وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} .
يجوز أن يريد بـ {الْبَيِّنَاتُ} : ما بُينَ في التوراة والإنجيل. وهو قول ابن عباس.
ويجوز أن يريد: ما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب والآيات المعجزات. وفي هذا تبعيد لهم من حال الهداية، وبيان لاستحقاقهم الكفر بفعلهم.
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} قال ابن عباس. يريد: لا يرشد من نقض عهود الله، وظلم نفسه.
وهذا خاص فيمن علم الله عز وجل منهم أنهم لا يؤمنون، وأراد ذلك منهم.
87 -قوله تعالى: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [آل عمران: 87] .
قال ابن عباس: يريد: المؤمنين. فعلى هذا؛ {النَّاسِ} ، خاصٌ؛ ولكنَّه لمَّا ذكر الثلاثة، قيل: {أَجْمَعِينَ} .