وإن المسيح قد أوتي الكتاب والنبوة، فإذن محال أن يدعو أحدا إلى
عبادته، وقوله: (ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ) بالرفع على الاستئناف
وبالنصب على العطف، أي لا يجتمع الأمران: إثبات النبوة.
وقوله: (كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقوله: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) ، يعني: ولكن يقولوا: كونوا ربانيين، حكماء أولياء لله.
فقد قيل: إن لم يكن العلماء أولياء لله فليس لله فِي الأرض ولي.
وقيل: كونوا متخصصين بالله تخصصا تُنسبون إليه، وتوصفون
بعامة أوصافه نحو الجواد والودود والرحيم.
وقيل: كونوا من المتخصصين بالله الذين وُصِفوا بقوله:
"فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به"الخبر.
وقيل: كوثوا متخصصين بالله غر ملتفتين إلى الوسائط
كأبي بكر لما قال حين موت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واضطربت أسرار عامة الناس:"من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت".
وقد قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ..) الآية، وقوله: (وَبِمَا كُنْتُمْ) أي بكونكم عالمين أو معلّمين على حسب القراءتين فِي تعلمون وتُعلِّمون، ولا تحتاج لفظة ما هاهنا إلى ضمير، كما هو في
قوله: (فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا) ، لكونه في
تقدير أن، ومعنى (تَعْلَمُون الكتابَ) أي تعرفونه كقوله:
(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ) .
وقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) .
وإذا قرئ (تُعَلِّمُونَ) فمعناه تعلمون الناس الكتاب، وقوله: (وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) مما يصح أن يوصف به العلم والمعلم، ومعنى (بِمَا كُنْتُمْ) أي كونوا معلمي
الخير بما علمتم، أوكونوا حكماء علماء عاملين بما علمتم.