وقال الزجاج: معلمي الناس وهذا كله ألفاظ مختلفة عن
معنى واحد، بيَّن تعالى أنه لن يصطفي علام الغيوب لرسالته
من يعلم من حاله أنه يكذب، وأن يأمر الناس أن يعبدوه.
وإلى هذا أشار بقوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) .
وإنما قال: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ) فذكر باللام لأن قولك: فلان
ليس له أن يفعل كذلك. أبلغ من قولك: هو لا يفعل؛ لأن في
قولك ليس له أنه ممنوع منه، إما منعا من خارج كالقهر، وإما من
داخل من جهة العقل والتزام الشرع، وقد نبّه تعالى بذلك أن
الأنبياء ممنوعون عن ذلك من جهة العقل المسدّد، والحظر
الوارد عليهم من قبله تعالى، لا منعا من جهة عدم التمكن.
وعلى ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ)
وأما قوله: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) فإنه لما أراد تعالى المبالغة في
النفي أخرج الكلام هذا المخرج، تنبيهًا أن الحكمة تمنع من
ذلك، وإن كان منزها عن أن يوصف بمنعِ على وجه.
وقال الجبّائي: ليس قوله: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ) على سبيل التحريم.
لأن هذا محرّم على جميع الخلق، قال: ولو كان ذلك تحريماَ لم يكن
تكذيباً للنصارى فِي ادعائهم ذلك على المسيح، لأن من ادعى
على إنسان قولا، فقال: فلان لا يحلُّ له كذا. لا يكون مكذّبا
لدعواه، قال: وإنما أراد الله بهذا القول تكذيبهم، وما قاله
فيه قصور نظر، فإن النصارى أقرُّوا بأن المسيح لم يكن يدعي ما لم
يكن له أن يدعي، فإذا أقروا بذلك، وبيّن تعالى أن ليس له ولا
لأحد من البشر أن يقول ذلك، كان فيه إلزام واضح، وكأنه قيل:
قد ثبت أن المسيح لم يكن يدعي ما ليس له دعواه، وثبت أنه كان
بشرا بما تقدم فِي هذه السورة وغيرها، ولم يكن لأحد يؤتيه الله
الكتاب والحكم والنبوة أن يقول للناس: اعبدوني من دون الله.