كأنه لما حكى عنهم فِي هذا الموضع قولاً باطلاً لا جرم أدب رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقابله بقول حق ، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولاً فيه كفر فيقول عند بلوغه إلى تلك الكلمة: آمنت بالله أو لا إله إلا الله ، أو تعالى الله ، ثم يعود إلى تلك الحكاية . وقيل: فِي الكلام تقديم وتأخير والتقدير: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الهدى هدى الله وأن الفضل بيد . واعلم أنه تعالى حكى عن اليهود أمرين: أحدهما أن يؤمنوا وجه النهار ويكفروا آخره ليصير ذلك شبهة للمسلمين فِي صحة الإسلام فأجاب بقوله: {قل إن الهدى هدى الله} . وذلك أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة عين ولا أثر . وثانيها أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ا أوتوا من الكتاب والحكمة والنبوة فأجاب عنه بقوله: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} والمراد بالفضل الرسالة وهو فِي اللغة الزيادة ، وأكثر ما يستعمل فِي زيادة الإحسان . والفاضل الزائد على غيره فِي خصال الخير . ومعنى قوله {بيد الله} أنه مالك له غالب عليه يوضحه قوله {يؤتيه من يشاء} . وفيه دليل على النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق لأنه جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ولا يصح ذلك فِي المستحق إلا على وجه المجاز {والله واسع} كامل القدرة {عليم} بالحكم والمصالح وبمواقع فضله فلهذا {يختص برحمته من يشاء} والحاصل أنه بين بقوله: {إن الفضل بيد الله} أنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاكم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها ، فإن الزيادة من جنس المزيد عليه . ثم قال: {يختص برحمته من يشاء} والرحمة المضافة إليه تعالى أمر أجل من ذلك الفضل لأنه لا يكون من جنس ما آتاهم بل يكون أشرف وأعظم . {والله ذو الفضل العظيم} فمن قصر إنعامه وإكرامه على