بَيَانِيًّا كَأَنَّ النَّفْسَ تَتَشَوَّفُ بَعْدَ بَيَانِ حَالِ فِرَقِ الْيَهُودِ إِلَى بَيَانِ حَالِ النَّصَارَى وَمَا يَدَّعُونَ فِي الْمَسِيحِ فَجَاءَتِ الْآيَتَانِ فِي ذَلِكَ . فَقَوْلُهُ: مَا كَانَ لِبَشَرٍ نَفْيٌ لِلشَّأْنِ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ نَفْيِ الْوُقُوعِ خَاصَّةً ; لِأَنَّهُ نَفْيٌ لِلْوُقُوعِ مَعَ بَيَانِ السَّبَبِ وَالدَّلِيلِ ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ بِهِ وَالْعَمَلَ بِإِرْشَادِهِ . قَالَ فِي الْكَشَّافِ: الْحُكْمُ: الْحِكْمَةُ الَّتِي هِيَ السُّنَّةُ ، وَوَافَقَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ قَائِلًا: إِنَّ عِبَارَاتِ الْكِتَابِ رُبَّمَا تَذْهَبُ
النَّفْسُ فِيهَا مَذَاهِبَ التَّأْوِيلِ ، فَالْعَمَلُ هُوَ الَّذِي يُقَرِّرُ الْحَقَّ فِيهَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ تَفْسِيرُ الْحِكْمَةِ بِفِقْهِ الْكِتَابِ وَمَعْرِفَةِ أَسْرَارِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ بِهِ ، وَإِنَّمَا قَالَ: وَالنُّبُوَّةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ لِأَنَّ الْمُرْسَلَ إِلَيْهِمْ يُقَالُ إِنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي الْعِبَادُ جَمْعُ عَبْدٍ بِمَعْنَى عَابِدٍ ، وَالْعَبِيدُ جَمْعٌ لَهُ بِمَعْنَى مَمْلُوكٍ أَيْ بِأَنْ تَتَّخِذُونِي إِلَهًا أَوْ رَبًّا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَيْ كَائِنِينَ لِي مِنْ دُونِ اللهِ أَوْ كُونُوا عَابِدِينَ لِي مِنْ دُونِهِ ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ حَالَ كَوْنِكُمْ مُتَجَاوِزِينَ اللهَ - تَعَالَى - أَيْ مُتَجَاوِزِينَ مَا يَجِبُ مِنْ إِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ وَتَخْصِيصِهِ بِالْعُبُودِيَّةِ . وَقَطَعَ أَبُو السُّعُودِ بِأَنَّ ذَلِكَ يَصْدُقُ بِعِبَادَةِ غَيْرِهِ اسْتِقْلَالًا أَوِ اشْتِرَاكًا . وَلَهُ عِنْدِي وَجْهَانِ: