وقد جعل عمر الجزية على الموسرين ثانية وأربعين درهمًا، وعلى المتوسطين في اليسار أربعة وعشرين، وعلى الطبقة الدنيا من الموسرين اثنى عشر درهمًا، وبهذا سبق الفكر الضريبي الحديث في تقرير مبدأ تفاوت الضريبة بتفاوت القدرة على الدفع، ولا تعارض بين صنيع عمر وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:"خذ من كل حالم دينارًا" (1) لأن الفقر كان في أهل اليمن أغلب، فراعى النبي - صلى الله عليه وسلم - حالتهم.
والأصل في وجوب الجزية من القرآن قوله تعالى في سورة التوبة: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} .
ومعنى الصَّغار هنا التسليم، وإلقاء السلاح، والخضوع لحكم الدولة الإسلامية، ومن السنة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس البحرين، كذلك أخذ الخلفاء الراشدون الجزية من أهل الكتاب ومن في حكمهم في سائر البلاد المفتوحة، واستقر العمل عليه فصار إجماعًا.
وأما الخراج فهو ضريبة مالية تفرض على رقبة الأرض إذا بقيت في أيديهم، ويرجع تقديره إلى الإمام أيضًا، فله أن يقاسمهم بنسبة معينة مما يخرج من الأرض كالثلث والربع مثلًا، وله أن يفرض عليهم مقدارًا محددًا، مكيلًا أو موزونًا بحسب ما تطيقه الأرض كما صنع عمر في سواد العراق، وقد يقوم ذلك بالنقود.
والفرق بين الجزية والخراج أن الأولى تسقط بالإسلام، دون الخراج.
فالذمي إذا أسلم لا يعفيه إسلامه من أداء الخراج؛ بل يظل عليه أيضًا، ويزيد على الذمي الباقي على ديانته الأصلية أنه يدفع العشر - أو نصفه - عن غلة الأرض بجوار دفع الخراج عن رقبتها، كما هو مذهب الأئمة الثلاثة، وجمهور الفقهاء خلافًا لأبي حنيفة، فالخراج هو بمثابة ضريبة الأملاك العقارية اليوم، والعشر بمثابة ضريبة الاستغلال الزراعي.
ومن الناس من ينظرون إلى الأمور نظرة سطحية فيحسبون الإسلام متعسفًا في فرضه الجزية على غير المسلمين.