شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [سورة سبأ: 19 - 21] .
ذكر الله تعالى قصة سبأ بعد قوله تعالى في قصة داود عليه السلام: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سورة سبأ: 13] إشارةً إلى أنهم إنما أُتوا من قلة الشكر.
وهم كما قال قتادة رحمه الله تعالى: قوم أعطاهم الله تعالى نعمة، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته.
قال الله تعالى: {فَأَعْرَضُوا} أي: عن الشكر؛ قال قتادة: ترك القوم أمر الله {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ} .
قال قتادة: ذكر لنا أن العَرِم وادٍ في سبأ كانت تجتمع إليه مسايل من أودية شتى، فعمدوا فَسَدُّوا ما بين الجبلين بالقِير والحجارة، فجعلوا عليه أبواباً، وكانوا يأخذون من مائه ما احتاجوا إليه ويسدون عنهم، فلما ترك القوم أمر الله تعالى بعث الله عليهم جرذاً فنقبه من أسفله، فاتسع حتى غرَّق الله به حروثهم، وخرَّب به أرضهم عقوبةً لهم بأعمالهم.
قال الله تعالى: {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} والخمط: الأراك، وكله بريرة {وَأَثْلٍ} والأثل: الطرفاء {وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} وهو شجر النبق.
وقال قتادة في قوله: {سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} : لا تخافون جوعا ولا ظمأ، إنما تغدون فتقيلون في قرية، وتروحون فتبيتون في قرية أهل جنة ونهَر.
حتى لقد ذكر لنا أن المرأة كانت تضع سلتها على رأسها فتمتلئ قبل أن ترجع إلى أهلها، وكان الرجل يسافر لا يحمل معه زاداً، فبطروا النعمة، فقالوا: {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} ، فمُزقوا كل ممزَّق وجُعلوا أحاديث.
وما ذكرناه عن قتادة أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.