فبيَّن سبحانه أنَّ متابعة أهل الأهواء من أهل الكتاب، وكذلك غيرهم سبب للخذلان والحرمان من ولاية الله ونصرته، ثم سجل على المتبع لأهوائهم من العلماء بالتوغل في الظلم، وعده في سلك الظالمين.
فَصْلٌ
حقيقة الهوى شدة الميل إلى الشيء، والشهوة محبة الشيء والرغبة فيه.
شهيه كرضيه، وشهاه كدعاه، واشتهاه وشَهَّاه وتشهَّى: اقترح.
ولعل الهوى أبلغ من الشهوة؛ فالشهوة يمكن ردها، والهوى لا يمكن رده، أو يتعسر رده، وهو تلف وأيُّ تلف، ومن ثم قيل: من مجزوء الكامل
إِنَّ الْهَوى لَهُوَ الْهَوا ... نُ أُزِيْلَ عَنْهُ النُّوْنُ
ومن هنا لم يذكر الهوى في القرآن العظيم، ولا في كلام الأنبياء والحكماء إلا مذموماً.
والشهوة قد تكون مذمومة إذا استرسل فيها الإنسان، أو أكثر منها وتناولها من غير حلها، وأمَّا إذا تناولها الإنسان من حلها على الوجه الذي أذن فيه الشرع فلا يصح إطلاق الذم عليها لأنها داعية إلى قوام الطاعة وعمارة الأرض؛ إذ بها تتناول المطعومات والمشروبات، وبها قوام الأبدان، وبقوام الأبدان واعتدالها قوام العبادة.
وفي الحديث:"إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا".
وبها طلب النكاح والزواج، وبه يحصل التوالد وكثرة الخلق، وبهم عمارة الدنيا وقوام الدين.
ولما كان للشهوات وَقعٌ في صلاح الأمور وإقامة الدين أبقيت في دار الآخرة، ووصف بالشهوة أهل الجنة بخلاف الهوى.
قال الله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [سورة الزخرف: 71] .
وقال الله تعالى: {وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ} [سورة الأنبياء: 102] .
وقال تعالى: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} [سورة الواقعة: 21] .
فالشهوة نعمة في الدنيا والآخرة إلا أن الله تعالى أطلق التنعم بها في الدار الآخرة، ولم يأذن في دار الدنيا إلا في تناول قدر الحاجة منها، ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [سورة الأعراف: 31] .
وقال تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [سورة البقرة: 223] .
وقال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [سورة البقرة: 187] .