فتناوله العابد ليفعل به كما فعل أول مرة، فقال إبليس: هيهات! فأخذه وصرعه، فإذا هو كالعصفور بين رجليه، وقعد إبليس على صدره، وقال: لتنتهين عن قطع هذه الشجرة أو لأذبحنك، فنظر العابد فإذا لا طاقة له به، فقال: يا هذا! غلبتني فخلِّ عني، وأخبرني بأمرك.
قال: إنك غلبتني أول مرة لأنك غضبت لله فلم أقدر عليك، وهذه المرة غضبت لنفسك فصرعتك.
187 -قلت: وفي هذا الأمر إشارة إلى أن من أعمال الشيطان الرجيم: الرشوة على منع الحق، وهي تُعْوِرُ عينَ الحكيم، وتطمس
قلب العليم، وهي من أشد ما يحيل القلوب ويحولها عن الحق، وقد فشا الرشا الآن في الناس فأعمتهم عن الحق، وقرت لهم عين الشيطان؛ لا أقر الله عينه ولا أعين الراشين والمرتشين.
وليكن هذا آخر ما نذكره من أخلاق الشيطان.
واعلم أن مقصود الشيطان من كل أحد أن يكون شيطاناً مثله ليكون معه في النار كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [سورة فاطر: 6] .
فأول ما يهون عليه صغائر الذنوب ومحقرها عنده، ويصغر عقابها في رأيه حتى يرتكبها، ثم يوسوس إليه بالتأويلات في ارتكابها مرة بعد أخرى حتى يُصِرَّ، ثم يستدرجه إلى ارتكاب الكبائر حتى ينزع عنه ثوب الحياء، ثم يلقي القسوة في قلبه حتى يكون صَلداً جُلموداً، ثم شيطاناً مَريداً.
كما روى الإمام الحافظ أبو القاسم زاهر بن طاهر في"خماسياته"، وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أَوَّلُ مَا يَنْزِعُ اللهُ تَعالَى مِنَ الْعَبْدِ الْحَيَاءُ، فَيَصِيْرُ مَقَّاتاً مُمقتًا، ثُمَّ يَنْزِعُ مِنْهُ الأَمَانة فَيَصِيْرُ خَائِنًا مخوناً، ثُمَّ يَنْزِعُ مِنْهُ الرَّحْمَةَ فَيَصِيْرُ فَظًّا غَلِيْظًا، وَيخْلَعُ دِيْنَ الإِسْلامِ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ فَيَصِيْرُ شَيْطَاناً مَرِيْدًا، لَعِيْنا مَلْعُوْنًا مُلَعَّناً".