وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن هذه الأيام هي أيام منى بما روى الدارقطني والترمذي أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بعرفة، فسألوه، فأمر مناديا فنادى: (الحج عرفة، فمن جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك، أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه) .
وإن هذه الأيام يحرم الصوم فيها عند جمهور الفقهاء؛ فقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أيام التشريق أيام كل وشرب وذكر لله".
(فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى)
هذه الأيام هي التي يكون بعدها النفير إن كان قد أدى الحاج كل الأركان، وقد بين القرآن الكريم أنه لَا يلزم أن يبقى الأيام الثلاثة بمنى فإن شاء بقي يومين يرمي فيهما الجمرات، ونفر قبل فجر اليومِ الثالث؛ وإن شاء بقي اليوم الثالث؛ وهذا معنى الجملة الكريمة (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يوْمَيْنِ) أي سافر معجلا في اليومين الأولين فلا إثم عليه في التعجيل (وَمَن تَأخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) أي من بقي إلى تمام اليوم الثالث فلا إثم عليه.
وقد قيد الله سبحانه نفي الإثم بقوله (لِمَنِ اتَّقَى) للإشارة إلى أن العبرة بتقوى القلوب فتلك الحركات الحسية من التزام مكان معين في زمان معين، ورمي الجمار الثلاث لكل جمرة سبع حصيات؛ كل هذا لَا غاية له، ولا ثمرة إلا تربية التقوى وتنميتها في القلوب، لتتهذب النفس، ويربى الوجدان ويخشى العبد الديان، فيراقبه في كل الأفعال وكل الأقوال، فيكون مجتمعًا مهذبًا كاملًا صالحًا قويًا؛ لأن تهذيب الآحاد تقوية لبناء الجماعة، فلا تتنافر أجزاؤها، ولا تتباعد آحادها، وتقوم على تقوى من الله ورضوان.
وإن هذه الأيام التي يقوم فيها الحجيج بذلك الذكر في البقعة المباركة، يشاركهم فيها المسلمون في كل بقاع الأرض في بعض أفعالهم، وذكرهم؛ فالحجيج ينحرون ليتحللوا، وسائر المسلمين ينحرون ليضحوا، ويشاركوا وفود الله في صدقاتهم؛ والحجيج يكبرون ويرمون الجمار، والمسلمون في الأمصار يشاركونهم في التكبير عقب الصلوات.