وقد ذيل الله سبحانه وتعالى الآية بقوله الكريمة (وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) وسرعة حسابه سبحانه وتعالى كناية عن تحقيقه، وتحقق يوم القيامة وقربه، وعلمه سبحانه وتعالى بإِحسان المحسن وإساءة المسيء؛ لأنَّ تطويل الحساب يكون من جهل المحاسب، فيبطئ ليعرف؛ فإذا كان المحاسب هو العليم الحكيم الذي لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فإن حسابه يكون كريما؛ إذ لَا تخفى عليه سبحانه خافية.
وفى هذا التذييل إشارة إلى عقاب الذين ليس لهم في الآخرة من خلاق على ما يرتكبون من موبقات ما داموا قد جعلوا الدنيا كل همهم، وغاية أمرهم، ومقصد وجودهم.
(وَاذْكروا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ معْدودَات ...(203) هذا ذكر لله خاص في أيام مذكورة بعد قضاء مناسك الحج؛ وقد أمر الله في الآية السابقة بالذكر العام، وفي هذه الآية ذكر
خاص، والأيام المعد ودات التي يصحبها ذكر خاص، أيام التشريق الثلاثة، وقد نقل القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن عن أبي عمر بن عبد البر الإجماع على أن الأيام المعدودات في الآية الكريمة هي أيام منى، أيام التشريق الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، وهي أيام أكل وشرب. وذكر الله الخاص في هذه الأيام بالتصدق على الفقراء من الذبائح التي ذبحوها في يوم النحر، ورمي الجمار فيها، بعد أن يكون الحجيج قد رموا جمرة العقبة في يوم النحر؛ وفي رمي الجمار يكبر عند كل حصاة يرميها؛ وهذا بلا شك ذكر خاص.
ورمي الجمار على ذلك الشكل في أيام منى الثلاثة عملي حسي مادي يقترن به عمل نفسي وجداني، وهو إشعار القلب بعظمة رب المالمين، وتلك الحركات الجسمية هي للدلالة على التعلق القلبي بالأرض التي بارك الله فيها، وبالتالي التعلق بمن شرفها بالانتساب إليه، فسماها حرمه المقدس، وبيته الآمن. وكون الحركات على هذا الشكل وبهذا الوضع ليس من الأمور التي تحلل، كما أن محاولة معرفة العلة في كون الصلاة على هذا الشكل محاولة في غير جداء، إنما هذا أمر توقيفي، قد ارتضاه رب المالمين على لسان النبي الكريم سبيل الزلفى إليه، وتوجه القلوب نحو ذاته العلية التي لَا يحدها مكان، ولا يجري عليها الزمان.