وإباحة طلب المال في الحج لايقتصر على الاتجار الآحادي، أو طلب المال من الآحاد فقط، بل يشمل العمل على التبادل الجماعي، ونمو الاقتصاد بين الأقاليم الإسلامية؛ فأهل الخبرة بشئون المال من الحجاج يتصل بعضهم ببعض من الأقاليم المختلفة، ويعرف أهل كل إقليم ما عند الآخرين من فاضل الرزق الذي تخرجه أرض الله، وما ينقصهم من أسباب الحياة، ويتبادلون الفائض، ويسدون النقص وهو ما يسمى في لغة العصر الحاضر التبادل التجاري؛ فيعم الخير، ولا يكون إقليم من الأقاليم الإسلامية في نقص من الموارد، وآخر في الكثير منها.
وهذه تكون إحدى منافع الحج المادية التي اشتمل عليها قوله تعالى: (لِيَشهَدُوا مَنَافِعَ لَهمْ. . .) .
ولقد قال بعض العلماء: إن الاتجار وطلب المال هو من قبيل الرخصة؛ لأن الله لم يطلبه بل نفَى الإثم، فقد قال: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جنَاح) ونفي الإثم يشير إلى أنه
عفو، لَا مباح، أي أن الأولى تركه، ونحن انخالف أصحاب هذا الرأي لأن الرخصة تقتضي أن تكون هناك عزيمة مانعة من الكسب، ولم يقم دليل على منع الكسب، فيبقى على الإباحة الأصلية، وجاءت الآية الكريمة مؤكدة لهذه الإباحة بنفي الإثم، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خَطَّأ الذين يتوهمون أن الاتجار مانع من الحج؛ ولا يكون الفعل من قبيل العفو إلا إذا كان موضوعه غير مباح، ولكنه لأحوال خاصة نفَى الإثم نحو كل لهو باطل إلا لعب الرجل بقوسه. . إلخ. وطلب المال الحلال أمر مباح بإطلاق؛ ولقد قال رجل لعمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين كنتم تتجرون في الحج فقال رضي الله عنه: وهل كانت معايشهم إلا في الحج؟!