وإن السنة بيان القرآن قد فسرت ذلك وبينته، فقد قال - صلى الله عليه وسلم - لكعب ابن عُجْرة وقد رأى الهوام تتساقط من رأسه: (لعلك آذاك هوامك) قال: نعم يا رسول الله قال:"احلق وصم ثلاثة أيام، أو تصدق بفَرْق على ستة مساكين، أو انسك شاة".
وفى رواية أخرى أنه قال: (احلق وأهد هديا) ، فقال: ما أجد هديا، قال: أفأطعم ستة مساكين)، فقال: ما أجد، فقال:"صم ثلاثة أيام".
والفرق المذكور في الرواية الأولى هو مكيال يسع ما وزنه من البر نحو ستة عشر رطلا.
والحديث بروايتيه قد بين ترتيب الأنواع الثلاثة، فهي ليست بدرجة واحدة؛ وبين مقدار الصيام ومقدار الصدقة، والله عليم خبير.
(فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) بعد أن بين سبحانه وتعالى طريق الإحلال عند الإحصار، وطريق الإحلال الجزئي من بعض الحرمات عند المرض أو الأذى، بين الإحلال حال الأمن، فقال: (فَإِذَا أَمِنتُمْ) أي إذا زال خوفكم من العدو وعندكم فرصة الحج من عامكم هذا. والحكم الذي سيتبين من بعد يشمل حال الأمن المستمر، ولا يقتصر على الأمن العارض بعد الإحصار فقط؛ لأن الحكم إذا كان ثابتا للأمن العارض بعد الخوف، فأولى أن يثبت للأمن المستمر الذي لا خوف معه؛ أو نقول إن كلمة (أَمِنتُمْ) المراد بها ثبوت حال الأمن سواء أكان عارضا بعد ضده أم كان حالا مستمرة؛ فإن الماضي يدل في كثير من أحواله على الإخبار عن الحالات المستمرة.