وإذا كان محرما بعمرة قضاها عمرة؛ لما تقدم، ولقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعمْرَةَ لِلَّهِ) فإن ذلك النص بعمومه يشمل حال من يشرع في حج أو عمرة، ولم يتمهما اختيارا أو اضطرارا.
(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) بعد أن بين سبحانه أن مظهر الانتهاء من الإحرام هو الحلق أو تقصير الشعر، وتبين مما تقدم أن الحلق غير جائز في مدة الإحرام، أخذ سبحانه يبين حكم ما إذا تعذر أو تعسر على الشخص أن يستمر من غير حلق بأن اضطر إليه لمرض في جسمه أو رأسه استوجب الحلق ليدفع الضرر به، أو كان برأسه هوام تؤذيه وتجعل غيره يتقزز منه، وقد يصير به الشخص مصدر أذى لغيره، أو عدوى، كما هو مؤذ لنفسه، ففي هذه الأحوال يحل له الحلق، ولا يحل له سواه، لأنه لَا يتحلل بذلك من الإحرام، بل يرخص له في بعض محرماته ليدفع الضر عن نفسه وغيره، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام؛ فالكلام في الآية السابقة في الانتهاء من الإحرام قبل أداء الأركان لعذر
قاهر، والكلام هنا في الترخيص من بعض المحرمات من غير إنهاء الإحرام دفعًا للأذى من غير قهر.
والكلام السابق كان في الأمور التي تمنع من الوصول إلى البيت الحرام؛ أما الكلام هنا فهو قد يقع قبل الوصول إلى البيت الحرام أو بعده.
والترخيص في الحلق له فدية، وهي صوم، أو صدقة، أو نسك. والفدية هي العوض عن شيء عظيم جليل نفيس؛ ولا شك أن محرمات الحج والعمرة أمور لها جلالها وخطرها؛ لأنها مهذبات الروح والقلب، فهي نفيسة جليلة، وعبر سبحانه بالفدية ولم يعبر بكفارة؛ لأنه لَا ذنب ولا اعتداء، حتى يكون التكفير من الإثم. والنسك جمع نسيكة وهي الذبيحة، وتكون من النَّعَم: الإبل والبقر والغنم، ويستيسر ولا يستصعب كما هو الشأن في أمور الإسلام.
ولم يبين القرآن عدد أيام الصيام، ولا عدد المساكين الذين يطعمهم، ولا مقدار ما يتصدق به، كما لم يبين أهذه الأنواع الثلاثة في مرتبة واحدة أيها اختار كان فيه غناء، ولو كان قادرًا على أعلاها.