ثُمَّ قَالَ تَعَالَى بَيَانًا لِمَنْ يَسْأَلُ عَنْ حَظِّ هَؤُلَاءِ: (أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا) الْإِشَارَةُ بِـ (أُولَئِكَ) إِلَى الَّذِينَ يَطْلُبُونَ سَعَادَةَ الدَّارَيْنِ ، وَالْحَسَنَةَ فِي الْمَنْزِلَتَيْنِ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْفَرِيقِ الَّذِي يَطْلُبُ الدُّنْيَا وَحْدَهَا قَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) (2: 200) فَإِنَّ الْعَطْفَ يُشْعِرُ بِمَحْذُوفٍ كَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا الْفَرِيقُ لَهُ حَظُّهُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ حَظٍّ سِوَاهُ ، وَمَجْمُوعُ الْكَلَامِ فِي الْفَرِيقَيْنِ بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) (42: 20) وَقَدْ بَيَّنَتِ الْآيَةُ صَرِيحًا أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مَا دَعَوُا اللهَ تَعَالَى فِيهِ بِكَسْبِهِمْ ، وَهَذَا نَصٌّ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَعْنَى الدُّعَاءِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ طَلَبُ اللِّسَانِ مُطَابِقًا لِمَا فِي النَّفْسِ مِنَ الشُّعُورِ بِالْحَاجَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بَعْدَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ وَالسَّعْيِ فِي الطُّرُقِ الَّتِي مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ تَعَالَى ; وَلِهَذَا قَالَ: (مِمَّا كَسَبُوا) وَلَمْ يَقُلْ: لَهُمْ مَا طَلَبُوا . وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِأَسْبَابِهَا وَيَسْعَوْنَ لِلْآخِرَةِ سَعْيَهَا ، كَانَ لَهُمْ حَظٌّ مِنْ كَسْبِهِمْ هَذَا فِي الدَّارَيْنِ عَلَى قَدْرِهِ (وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) يُوَفِّي كُلَّ كَاسِبٍ أَجْرَهُ عَقِبَ عَمَلِهِ بِحَسَبِهِ ; لِأَنَّ سُنَّتَهُ مَضَتْ بِأَنْ تَكُونَ الرَّغَائِبُ آثَارَ الْأَعْمَالِ ،