وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَشْهُرِ ، لِأَنَّهُ شُرُوعٌ فِي الْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا كَمَنْ يُصَلِّي قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ ، وَيُرْوَى عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ مِنَ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: إِنَّهُ جَائِزٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ . وَمَالُكٌ بِلَا كَرَاهَةٍ .
وَقَدْ بَحَثَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي لَفْظِ الْأَشْهُرِ وَكَوْنِهَا جَمْعَ قِلَّةٍ ، وَهَلْ وَرَدَ فِي بَيَانِهَا نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ ؟
وَأَقُولُ: إِنَّهُ بَحْثٌ لَا وَجْهَ لَهُ ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (مَعْلُومَاتٌ) أَنَّهَا هِيَ أَشْهُرُ الْحَجِّ الْمَعْرُوفَةُ لِلْعَرَبِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا الثَّلَاثَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ،
وَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْثَرْ عَنِ الصَّحَابَةِ فِيهَا إِلَّا مَا قِيلَ فِي الثَّالِثِ مِنْهَا: هَلْ تَكُونُ أَيَّامُهُ كُلُّهَا أَيَّامَ حَجٍّ أَمْ تَنْتَهِي أَرْكَانُ الْحَجِّ فِي الْعَاشِرِ مِنْهُ ؟
فَالْآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الْحَجَّ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ سِرُّ جَعْلِهَا خَبَرًا عَنْهُ ، وَلَمَّا كَانَ أَعْظَمُ أَرْكَانِهِ - وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ - يَكُونُ فِي التَّاسِعِ مِنَ الثَّالِثِ عُلِمَ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَتَكَرَّرُ فِيهَا ، فَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ فَلَا حَجَّ لَهُ . قَالَ تَعَالَى: