ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ - اخرج ابن جرير عن ابن عباس قال كانت العرب تقف بعرفة - وكانت قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة فانزل الله - ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ - وأخرج ابن المنذر عن اسماء بنت أبى بكر قالت كانت قريش تقف بالمزدلفة وتقف النّاس بعرفة الا شيبة بن ربيعة فانزل الله هذه الآية - قال البغوي كانت قريش وهم الحمس وحلفاوهم يتعظمون ان يقفوا مع سائر العرب بعرفات ويقولون نحن أهل الله ووطان حرمه فلا نخلف الحرم ولا نخرج منه - وسائر الناس يقفون بعرفات فاذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحمس من المزدلفة فامرهم الله تعالى ان يقفوا بعرفات ويفيضوا منها إلى جمع مع سائر الناس وأخبرهم انه سنة إبراهيم وإسماعيل - فالمراد بالناس على هذه الروايات العرب كلهم غير الحمس - وقال الضحاك الناس هاهنا إبراهيم عليه السلام وحده كقوله تعالى أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ وأراد به محمدا صلى الله عليه وسلم وحده وكذا في قوله تعالى قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ والمراد بالناس الأول نعيم بن مسعود الأشجعي - وقال الزهري الناس هاهنا آدم عليه السلام وحده دليله قراءة سعيد بن جبير ثمّ
أفيضوا من حيث أفاض النّاسى بالياء وهو آدم عليه السلام نسى عهد الله - وقيل معنى الآية ثمّ يعنى بعد افاضتكم من عرفات أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ يعنى من المزدلفة إلى منى والأول قول أكثر المفسرين لكن يشكل على الأول لفظ ثم لأنه مقدم على الوقوف بالمشعر الحرام فقيل ثم هاهنا بمعنى الواو - والاوجه ان كلمة ثم هاهنا لتفاوت ما بين الافاضتين رتبة فان الافاضة من عرفات فريضة ركن للحج اجماعا يفوت الحج بفواته بخلاف الوقوف بالمزدلفة فانه ليس بركن للحج اجماعا الا ما روى عن ليث وعلقمة فانهما قالا بركنيته - ونظيرها في القرآن فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا - فان مقتضى هذه الآية ان الايمان أعظم درجة من سائر الحسنات والله اعلم.