هذا استئناف، وهو كالبيان لسبب الإحلال. وهو إنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن. وصعب عليكم اجتنابهن. فلذا رخص لكم في مباشرتهن. شبهت الزوجة باللباس لزوجها، وشبه الزوج باللباس لزوجته، بجامع المخالطة والمماسة والمضاجعة، فناسب هذا الترخيص بالجامعة في ليل رمضان. لئلا
يشق عليهم ويحرجوا. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ: أي تظلمونها بالجماع والأكل والشرب بعد العشاء، أو بعد النوم فتنقصونها حظها من الخير.
والاختيان من الخيانة. كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة. فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ: أي ما فعلتموه قبل الرخصة، وذلك من كمال رحمته جل جلاله، ولعلم الله من قلوبهم الندم على المخالفة إذا واقعوها. فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ: أي جامعوهن في ليالي الصوم. وهو أمر إباحة. وسميت المجامعة مباشرة لالتصاق بشرتيهما. وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ: أي واطلبوا ما قسم الله لكم، وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة. وفي ذلك لفت نظر إلى أن المباشرة ليست لقضاء الشهوة وحدها. ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل. ويحتمل أن يكون المعنى:
واطلبوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلله، وهو الفرج، دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم، كالدبر وكالفرج حال الحيض والنفاس وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ: كما رخص لهم الجماع في ليلة الصيام، فقد رخص لهم الأكل والشرب. وحدد نهاية الوقت المبيح، وهو نهاية الليل، وهو طلوع الفجر. والخيط الأبيض هو أول ما يبدو من الفجر المعترض المستطير. والخيط الأسود هو ما يمتد من سواد الليل. شبها بخيطين: أبيض وأسود لامتدادهما.
وقوله تعالى:
مِنَ الْفَجْرِ: بيان أن الخيط الأبيض من الفجر لا من غيره. واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما بيان للآخر.