بَابُ تَحْرِيمِ الدَّمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} وَقَالَ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} فَلَوْ لَمْ يَرِدْ فِي تَحْرِيمِهِ غَيْرُ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ لَاقْتَضَى ذَلِكَ تَحْرِيمَ سَائِرِ الدِّمَاءِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا ، فَلَمَّا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ مِنْ الدَّمِ هُوَ الْمَسْفُوحُ دُونَ غَيْرِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَوْلُهُ: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} خَاصٌّ فِيمَا كَانَ مِنْهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، وَقَوْلُهُ فِي الْآيَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ عَامٌّ فِي سَائِرِ الدِّمَاءِ ، فَوَجَبَ إجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ ؛ إذْ لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَخُصُّهُ.
قِيلَ لَهُ: قَوْلُهُ: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} جَاءَ فِيهِ نَفْيٌ لِتَحْرِيمِ سَائِرِ الدِّمَاءِ إلَّا مَا كَانَ مِنْهُ بِهَذَا الْوَصْفِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ} إلَى قَوْلِهِ: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: {إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} مُتَأَخِّرًا عَنْ قَوْلِهِ: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} أَوْ أَنْ يَكُونَا نَزَلَا مَعًا.
فَلَمَّا عَدِمْنَا تَارِيخَ نُزُولِ الْآيَتَيْنِ وَجَبَ الْحُكْمُ بِنُزُولِهِمَا مَعًا ، فَلَا يَثْبُتُ حِينَئِذٍ تَحْرِيمُ الدَّمِ إلَّا مَعْقُودًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَسْفُوحًا.